• قراءة في فتوى الجدار

    لست في هذا المقال بصدد بيان الرأي الشرعي في جدار رفح، فهذا عمل كبار المفتين والعلماء من الأمة، وقد صدرت فتاوى وبيانات عن عدد من علماء الأمة بمصر وخارجها، كما أني لم أقصد به بيان الوجهة السياسية في موضوع الجدار،  فهو عمل أهل الساسة ممن استجمع أصول الشرع وفقه النص والواقع وإدراك الأبعاد السياسية المختلفة من بناء هذا الجدار وأثره على مصر من جوانب متعددة، ولكني قصدت بهذا المقال تقييم بيان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بشأن ما تقيمه مصر من منشآت على أرضها لحماية أمنها، كما أسماه المجمع، وهذا التقييم مبني على الأصول العلمية، فالمقال – إن صح التعبير- قراءة منهجية لما جاء في البيان، وإيضاح خطة الاجتهاد من خلال البيان المكتوب.

    لست في هذا المقال بصدد بيان الرأي الشرعي في جدار رفح، فهذا عمل كبار المفتين والعلماء من الأمة، وقد صدرت فتاوى وبيانات عن عدد من علماء الأمة بمصر وخارجها، كما أني لم أقصد به بيان الوجهة السياسية في موضوع الجدار،  فهو عمل أهل الساسة ممن استجمع أصول الشرع وفقه النص والواقع وإدراك الأبعاد السياسية المختلفة من بناء هذا الجدار وأثره على مصر من جوانب متعددة، ولكني قصدت بهذا المقال تقييم بيان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بشأن ما تقيمه مصر من منشآت على أرضها لحماية أمنها، كما أسماه المجمع، وهذا التقييم مبني على الأصول العلمية، فالمقال – إن صح التعبير- قراءة منهجية لما جاء في البيان، وإيضاح خطة الاجتهاد من خلال البيان المكتوب.
    لست في هذا المقال بصدد بيان الرأي الشرعي في جدار رفح، فهذا عمل كبار المفتين والعلماء من الأمة، وقد صدرت فتاوى وبيانات عن عدد من علماء الأمة بمصر وخارجها، كما أني لم أقصد به بيان الوجهة السياسية في موضوع الجدار،  فهو عمل أهل الساسة ممن استجمع أصول الشرع وفقه النص والواقع وإدراك الأبعاد السياسية المختلفة من بناء هذا الجدار وأثره على مصر من جوانب متعددة، ولكني قصدت بهذا المقال تقييم بيان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بشأن ما تقيمه مصر من منشآت على أرضها لحماية أمنها، كما أسماه المجمع، وهذا التقييم مبني على الأصول العلمية، فالمقال – إن صح التعبير- قراءة منهجية لما جاء في البيان، وإيضاح خطة الاجتهاد من خلال البيان المكتوب.

    وأقدم المقال بإيراد البيان كما أذيع، ثم أعلق عليه بالقراءة المنهجية لما ورد فيه، أما الحكم فقد قاله غيري من العلماء اتفاقا أو اختلافا ممن رأوا أنفسهم أهلا للاجتهاد في هذه النازلة.

    نص البيان

    ( الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ومن ولاه ..وبعد

    فإن من حق كل دولة أن تقيم على أرضها من المنشآت والسدود ما يصون أمنها وحدودها وحقوقها.

     وإن من الحقوق الشرعية لمصر أن تضع الحواجز  لمنع ضرر الأنفاق التي أقيمت تحت أرض "رفح" المصرية.
    هذه الأنفاق التي تهرب منها المخدرات وغيرها مما يزعزع أمن مصر، ويهدد مصالحها تهديدا لا مفر من مقاومته.
    وهذا  العمل الذي تقوم به مصر تأمر به شريعة الإسلام التي كفلت لكل دولة حقوقها وأمنها وكرامتها".
    وإن الذين يعارضون ذلك يخالفون ما أمرت به شريعة الإسلام من أن كل دولة عليها أن تصون حقوق أبنائها، وأن تمنع كل عدوان على هذه الحقوق.

    أمين عام
    مجمع البحوث الإسلامية
    على عبد الباقي شحاته).

    ملاحظات منهجية

    و هناك بعض الملاحظات العلمية والتحليلية على البيان، من أهمها:

    أن البيان خلا من ذكر نص من نصوص القرآن والسنة، وقد نص علماء الأصول أن من آداب المفتي في فتواه أن يذكر الدليل على الحكم، وإن كان بعض العلماء قد تجوز في هذا، فربما يقبل عدم ذكر الدليل في بعض فتاوى الأفراد، أما في الأمور المستجدة، وما يتعلق بفتاوى الأمة، فإنه من لوازم الاجتهاد فيها أن يذكر المفتي – فردا أو جماعة- الدليل على إقامة الحكم المذهوب إليه.

    وقد قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في هذا: قال :" ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجا مجردا عن دليله ومأخذه؛ فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم، ومن تأمل فتاوى النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره، ووجه مشروعيته.." إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، ج4/123

    ذكر قرار مجمع البحوث الإسلامية أن من أبرز مسوغات جواز إقامة الجدار مع حدود غزة أنه تهرب منها المخدرات وغيرها، وهذا الغير معلوم لدى العامة والخاصة وهو تهريب الأسلحة للفلسطينيين، وكأن القرار استحيى أن يذكر تسريب الأسلحة؛ لأنه سيوقع نفسه في حرج شرعي؛ إذ من المعلوم أن الأسلحة المهربة لم توجه إلى مصر يوما ما، ولن توجه كما أعلن قادة غزة، وأنها تستخدم في صد العدوان وجهاد المحتل الإسرائيلي الذي أصدر المجمع منذ أول مؤتمر انعقاد له عام 1964م بيانات توجب جهاد العدو الإسرائيلي، ورغم موقف الحكومة المصرية من حركة حماس، والتي تحكم الآن قطاع غزة، فإن مؤسسة الأزهر لا تجرؤ ديانة وعقلا أن تجرم ما يقوم به أهل غزة من دفاع عن أرضهم، وجهادهم ضد الاحتلال الإسرائيلي؛ لأن إخراجهم من فلسطين وما يتبعه من جهادهم من فروض الكفايات على الأمة، وهو موطن لا نزاع فيه بين أهل العلم.

    أن القرار خلط بين دلالات الأحكام الشريعة خلطا واضحا، وهو في ظني أضعف ما ذكر من مسوغات القرار من ناحية التأصيل الشرعي،  فالقول بأن " هذا العمل الذي تقوم به مصر تأمر به شريعة الإسلام" يعني أن إقامة الجدار الفولاذي واجب شرعا على حكومة مصر، وأنها إن لم تقم هذا الجدار فهي آثمة شرعا أمام الله تعالى محاسبة على عدم قيامه، وهذا ما لا يظن أن المجمع أراد قوله، ولكن الصياغة جاءت على هذا النحو من الخلط في الأحكام والتمييز بين ما هو واجب، وما هو جائز، بعيدا عن صحة الحكم من عدمه.

    ولا يقل عن هذا خطأ في الاجتهاد الفقهي في القرار ما جاء في الفقرة الأخيرة، من أن (الذين يعارضون ذلك يخالفون ما أمرت به شريعة الإسلام من أن كل دولة عليها أن تصون حقوق أبنائها، وأن تمنع كل عدوان على هذه الحقوق)، والمعنى أن كل ما يعارض إقامة الجدار، أو يفتي بحرمته، فهو يخالف الشريعة، وهذا يعني أنه أوقع نفسه في الإثم الشرعي، وكأن مسألة بناء الجدار من الأحكام الشرعية القطعية التي لا يجوز فيها الخلاف، فلو اعتبرنا أن المسألة محل خلاف بين الفقهاء – بمعنى الاختلاف المعتبر-، فإن المجتهد الذي توافرت فيه شروط الاجتهاد، له أجران إن أصاب، وله  أجر إن أخطأ، ولا يسمى الخلاف الفقهي المعتبر خروجا عن الشريعة يوقع صاحبه في الإثم وتعرضه لعذاب الله تعالى؛ لأن من آثار الذنب قبول تعرض صاحبه للعذاب والعقاب إن لم يغفر الله تعالى له.

    كما اعتبر بيان المجمع أن الهدف من إقامة الجدار هو صد لعدوان الفلسطينيين على حقوق الشعب المصري، وكأن الشعب الفلسطيني هو المعتدي، والشعب المصري هو المعتدى عليه، ونسيان اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.

    الخطاب الديني والخطاب السياسي

    والأخطر فقها في البيان ليس الحفاظ على حق كل دولة لحدودها، فهذا من الأمور المقبولة، ولكن الأخطر هو تعميق فكرة الحدود بين الدول مع تناسي الروابط الشرعية، فتحدث بيان المجمع بلسان السياسة لا بلسان الشرع، فهناك خطابان في المسألة، الخطاب السياسي الذي ينطلق من فكرة الدولة القومية وحدودها وسيادتها، وهذا عمل السياسي، وهناك الخطاب الشرعي الذي يحافظ على أمن الإقليم، ولكنه في الوقت ذاته يتحدث بلسان الشرع والأمة كوحدة واحدة، مع خصوصية وضع الإخوة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال، مما يوجب شرعا نصرتهم وتحريم تخذيلهم، كما قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)  [الأنبياء : 92]، وقوله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات : 10]، وقد  جاء في الحديث النبوي :" إن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه ولا يسلمه في مصيبة نزلت به وإن يلف خيار العرب والموالي يحب بعضهم بعضا حبا لا يجدون من ذلك بدا وإن يلف شرار الفريقين يبغض بعضهم بغضا لا يجدون من ذلك بدا" رواه الطبراني في المعجم الكبير وأصله في الصحيحين.

    وجاء في بعض الآثار: " للمؤمن على المؤمن ثلاثون حقا: يغفر زلته، ويرحم عثرته، ويقبل معذرته، ويلبي دعوته، ويشبع جوعته، ويعود مرضته، ويشهد ميتته، ويشيع جنازته، ويديم مصاحبته، ويرد غيبته، ويحفظ حرمته، ويرعى ذمته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويسلم بغيته، ويرشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، وينشر إنعامه، ويصدق إقسامه، ويكون معه ولا يكون عليه، ويواليه ولا يعاديه، وينصره ظالما أو مظلوما، ولا يخذله ولا يسلمه، ويحب له من الخير كما يحب لنفسه، ويكره له من الشر كما يكره لنفسه".

    طريقة الاجتهاد المجمعي

    ولكل ما سبق، فيبدو أن صياغة بيان مجمع البحوث الإسلامية جاءت على عجل، ولم تراع فيها أصول الاجتهاد الفقهي، فضلا عن طبيعة ما جاء في البيان من أحكام، لم تستطع أن تميز دلالات الأحكام الشرعية، وهو من أيسر عمل كل من له أدنى اطلاع على أصول الفقه، فبان البيان ضعيفا من الناحية العلمية، ولم تراع فيه أصول الصنعة، فضلا عما يتوجبه مثل هذا الأمر من التأني وأخذ الوقت الكافي من الدراسة من خلال عمل بحوث يشارك فيها غير الفقهاء من بيان أثر الجدار على الأمن المصري من ناحية، وأثره على الجار الفلسطيني من ناحية.

    وكذلك الشأن في مآلات مثل هذا الجدار على مكانة مصر كدولة رائدة قائدة ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم كله، فليست كل الفتاوى تصلح فيها بعض المشاورات الكلامية، بل كما هو عمل غالب المجامع الفقهية المعتبرة- ومنها مجمع البحوث الإسلامية- أن توكل إلى بعض أعضائها عمل بحوث مؤصلة بعمق يشارك فيها أهل الاختصاصات الأخرى من الساسة والاقتصاديين والاجتماعيين وغيرهم، ثم يخرج مشروع قرار بعد قراءة الأعضاء للبحوث ثم يصدر الرأي فيه، ولو على رأي الأغلبية لا الجميع، وهذا ما نتمنى أن يحافظ عليه مجمع البحوث الإسلامية لما له من مكانة رفيعة، ومنزلة سامية في نفوس المسلمين جميعا.

     


    د. مسعود صبري

    عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

    « الإسلام المفرغ.. مشروع القرنالاستبداد و التوريث »

    Tags وسوم :
  • تعليقات

    لا يوجد تعليقات

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق