• مقبرة الإمبراطوريات

    مقبرة الإمبراطوريات
    هذه كانت مقدمة صحيفة فايننشال تايمز البريطانية للكتاب الشهير ( في مقبرة الإمبراطوريات ) للكاتب الغربي سيث جي جونز ، الذي صرح فيه بالحقيقة التي أخفتها أمريكا عن الجميع ، وهي أنَّ طالبان لم تهـزم في أول هذه الحرب ، وإنما تراجعـت لتعيد تنظيم صفوفهـا فحسـب .
     
    كما بيـّن أنّ هذا هو سـرّ فشل الجيش الأمريكي وحلف الناتو في تحقيق أي شيء يُذكـر في أفغانسـتان .
    كان يمشى متبختـراً ، ثاني عطفه ، ينظر بعين الكبر ، ويشيـر بيديـه بغطرسـة ، عندما أعلن أنه سوف يحقـّق النصر في أفغانسـتان !
     
    أنصـح الجنـرال ( بتر ـ أيوس) أن يقـرأ _ قبل أن ( يُبتـر) في أفغانسـتان ويرجـع (آيسـا أيوسـا ) حتى من خفَّـيْ حنـين ، أن يقـرأ كتـاب بربارا توخمـان المعنـون ( عناد الحكام من طرواده إلى فيتنام ) ، وأن يركّـز نظره جيـّداً على هاتيـن العبارتيـن في الكتـاب : (لقد كان رؤساء الأركان ، ومستشارو الرئاسة الأمريكية ، آنذاك يحلمون إلى درجـة حالت دون أي تقدير واقعي لنتائـج تصرفاتهـم ) ، (وكانـوا يرفضون الإحاطة علما بمعلومات لا تنسجم مع توقعاتهم الذاتية ، إبتداءً من الظن باستحالة هزيمة دولتهم من جانب دولة من المرتبة الرابعة _ كما يصفونها _ مرورا بتقدير قواتهم العسكرية ، وكذلك قوات فييتنام الجنوبية بما يفوق حقيقتها ، انتهاءَ بالسقوط في التشبث المطلق بأوهامهـم ، كلّمـا ازداد وضوح المعالم المرئيـة للكارثه )
    ،
     ( في العاشر من ديسمبرـ كانون الثاني 1979، استدعى وزير دفاع الاتحاد السوفياتي ديمتري أوستينوف ، قائد جيشه نيكولا أوغاركوف إلى مكتبه في موسكو, وأبلغه أن عليه أن يرسل فورا 80 ألف جندي إلى أفغانستان ، وذلك على أثر انهيار النظام في ذلك البلد ,فما كان من أوغاركوف إلا أن استشاط غضباً ، ووصف هذه الخطوة بأنها متهورة ، لكن أوستينوف وفقا لرواية غدت اليوم مشهورة - قاطع رئيس الأركان قائلا " هل أنت بصدد تعليم المكتب السياسي ما يجب فعله "، قبل أن يقول له بعنف " واجبك ينحصر في تنفيذ الأوامر لا غيـر ".

    وهكذا بدأت التجربة السوفياتية الوخيمة في أفغانستان , حيث فقد الجيش السوفياتي خلال عقد من الزمن الآلاف المؤلفـة من جنوده في حملة عسكرية سرَّعت بانهيار الاتحاد السوفياتي بأكمله , غير أنَّ التاريخ الأفغاني حافل بقصص تدمير الغزاة , فقد عانت قوات الإسكندر الأكبر خسائر مذهلة في المعارك الضارية التي خاضتها مع القبائل الأفغانية , كما تمكن الأفغان في القرن التاسع عشر من رد القوات البريطانية على أعقابها بعد أن خاضوا معها سلسلة من المعارك.
     
    والآن حان دور التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لمحاولة إخضاع ما يسميه الكاتب " مقبرة الإمبراطوريات ", فهل ستتمكن الولايات المتحدة الأميركية ، بعد ثماني سنوات من القتال في أفغانستان , وتحت قيادة رئيسها الجديد أوبامـا من أن تتحدّى مجرى التاريخ في هذا البلد ؟ )
     
    هذه كانت مقدمة صحيفة فايننشال تايمز البريطانية للكتاب الشهير ( في مقبرة الإمبراطوريات ) للكاتب الغربي سيث جي جونز ، الذي صرح فيه بالحقيقة التي أخفتها أمريكا عن الجميع ، وهي أنَّ طالبان لم تهـزم في أول هذه الحرب ، وإنما تراجعـت لتعيد تنظيم صفوفهـا فحسـب .
     
    كما بيـّن أنّ هذا هو سـرّ فشل الجيش الأمريكي وحلف الناتو في تحقيق أي شيء يُذكـر في أفغانسـتان .
     
    حيث أنَّ حركة طالبان استطاعت وبصورة مدهشة أن تعيد تنظيم نفسها ، وتأمين مصادر وطرق الإمـداد لحرب طويلـة ، وحشد الدعم الشعبي المطلوب لإعادة الهجوم على طول الحدود مع باكستان ، وفي معظم الجنوب والشرق الأفغانـي .
    ،
    كانت الحملة الصليبية على أفغانسـتان ، تتستـّر وراء شعار ( إرساء ديمقراطية مزدهـرة كبديل لأيدلوجية البـغض ) !
     
    وخـلال بضع سنوات من رفع هذا الشعـار المخادع ، عانى الأفغانيون الأهـوال من أشـدّ حملات البغض الصليبي دمويـة ، وسط مستنقعات الدماء التي تمطرها القاذفات الأمريكية على المدنيين ، بهدف الحصول على أيّ نجاح يذكر لينقذ ماء وجه الإدارة الأمريكية في عهـد بوش ، فما زادهـا ذلك إلاَّ ثبـورا .
     
    ثـمّ بعد هذه السنوات المتخمة بالفشـل ، جاء أوبامـا فأراد أن يستعرض عضلاته ، فأعلن قادته العسكريون في يوم السبت 13 فبراير 2010م ، أوسـع هجـوم على حركة طالبان منذ بدء الحـرب في 2001م ، تسانده عشرات الطائرات الحربية المزودة بأدقّ المعلومات المتوفرة من أقمار التجسّس ، وطائرات الإستطلاع ، واتجهـت الجيوش إلى ولاية هلمند .
     
    ثم تبيـّن أن هذه الحملة إنـما كانـت على منطقة صغيرة تسيطر عليها طالبان تُسمى (مرجه) ، وهي منطقـة وسط عشرات المناطق تحت سيطرة طالبان وتشكل 67% من أراضي أفغانسـتان ، حتى قال  خنجري زعيم إحدى قبائل مرجه ، معبـرا عن استغرابه لضخامة العملية العسكرية الجارية : ( كما لو أنهم يريدون غزو بلد بأسره وليس إقليما بمساحة نـاد) !!
     
     وما لبـثت حتى باءت هذه الحملـة بالفشـل الذريع ، وتعجب المراقبون من تناقضات البيانات الأمريكية ، ومـن إثارتها للسخريـة ، وأخيـراً وصـف أحد المحلّلين العسكريين الغربيين الحصيلة قائلا : ( ومع نهاية العمليات العسكرية الرئيسية ،  لم يستطع الحلفاء تقديم حصيلة عن إنجازاتهم تتناسب مع حجم القوات المتدخلة ، حيث تحدثوا عن أقل من 110 قتيل في صفوف طالبان ،  وتبين فيما بعد وحسب وكالات أنباء فرانس برس ، ورويترز ، والبي بي سي البريطانية ،  أنّ من بين هؤلاء عشرات المدنيين ) !
     
    ومن عجائب ما يجري في هذه الحرب التي هي من أعجب حروب التاريخ ، حيث استطـاع المحاربـون من حركة طالبـان بأسلحتهم البدائيـة ، إعـجاز آخر ما توصل إليه حلف الناتو من تطور عسكري في القدرات العسكرية ، التخطيطية ، والإستخباراتية ، والعملياتية.
     
     من عجائب ما يجري أن حركة طالبان تنـدّد بالحظـر الإعلامي ، وبالقيود على الإعلام الذي يرافق سير المعارك ، والتي وضعها الإحتلال خشية إحراج القيادة الأمريكية وكشف سخرية دعايتها عن القدرة على سحق طالبان.
     
    حتى صرّح يوسف أحمدي المتحدث باسم طالبان في اتصال هاتفي مع وكالة فرانس برس : ( هذا يضرب تماما حرية الصحافة ، وحرية التعبير، لا يمكن تبرير هذه القيود بأي طريق ) !
     
    وكشفت مصادر إعلامية غربية أنّ التعليمات بفرض الحظر صدرت من البنتاغون ولكن جعلـت بإسم حكومة كابل!
     
    ودعت حركة طالبان بثقة مدهشة ، جميع وسائل الإعلام المستقلة في العالم إلى إرسال مراسلين إلـى مرجـه ، لكـي ( يروْا بأمّ أعينهـم ) ، من هي الجهة التي تسيطرعلى المنطقة ، وصرحـت الحركة أنه سيكون بوسع المراسلين ( أن يروا بأم أعينهـم الوضع ، وان ينقلوا الحقيقة إلى الناس ، ويظهروا من الذي يسيطر على المنطقـة ) !
     
    هذا .. وقد جرب الإحتلال في أفغانسـتان كلَّ ما في جعبته من وسائـل ، من إستعمال مرتزقة بلاك ووتر ، إلى شراء ذمم بعض القبائل لإشغال طالبان _ تشير مراكز رصد أوربية أنّ إيران لعبت الدور الرئيس في هذه السياسة الخبيثة _  إلى خدعـة إعـلان المفاوضات السياسية مع مجاهدي طالبان لإحداث إنقسام فيهم ، والإلتفاف على أهداف الجهاد ، لكن ما لبـثت أن تحطمـت كلَّ هذه التحركات اليائسة أمام صخرة العزائم الطالبانيـة.
     
    وأخيـرا فيبـدو أننـا سنشهد مفارقة تاريخية مذهلة بسقوط مايسمى النظام العالمي الخامس الذي توهّمـت فيه أمريكا أنها ستكون القطب الأوحد المسيطر على العالم ، برأسماليتها المتوحشة ، سنشهـد سقوطـه ، وإنهياره ، هناك تحت سفوح جبال الأفغـان ، وبأيدي أكثـر الجيوش بساطة ، غيـر أنها أعظمـها بأسـا وصمـودا.
     
     تماما كما سقطت إمبراطوريـة فرعون بعصا موسى عليه السلام التي كان يهشُّ بها على غنمـه !
     
    وأنَّ عصـا حركة طالبان التي أسقطت جنرالات البنتاغون ، ستبـتر يـد ( بتـر _ أيوس) ، وسيرجع آيسـا حسيـراً ، وستتغير حينئذ نبرته ، وتتبـدّل مشيته ، فيـرتدّ متواضعـا ذليـلا بعد أن كان مستكبرا متعاليـا.
     
     وكما سرع الجهاد الأفغاني من سقوط الإتحاد السوفيتي ، فسيسـرّع هذا الجهـاد من سقوط تحالف الشـرّ بين الصليبية الحاقدة والرأسمالية المتوحشـة مصاصـة الدمـاء .
     
    وها قـد جاءت بشريات هذا السقوط بالإنهيار المالي الغربي الذي كلـما حاولوا تغطيته ، إتّسـع الخرق على الـراقـع .
    ،
    ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ، وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) .
    ،
    والله حسبنا عليه توكلنا وعليه فليتوكل المتوكّـلون
    الشيخ حامد العلي
    « العراق الجديد والصومال الجديدإيران و العقوبات الناعمة »

    Tags وسوم :
  • تعليقات

    لا يوجد تعليقات

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق