• الضحاك بن قيس

     أبو بكرة الثقفي ..طليق الله وطليق رسولهعن معاوية بن أبي سفيان أنه قال على المنبر: حدثني الضحاك بن قيس -وهو عدل- أن رسول الله قال: "لا يزال والٍ من قريش". قال الزبير: كان الضحاك بن قيس مع معاوية بدمشق، وكان ولاه الكوفة ثم عزله، ثم ولاه دمشق، وحضر موت معاوية.

    ولما مات أخذ الضحاك بن قيس أكفانه وصعد المنبر، وخطب الناس وقال: إن أمير المؤمنين معاوية كان حد العرب وعود العرب، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وسير جنوده في البر والبحر، وكان عبدًا من عبيد الله، دعاه فأجابه، وقد قضى نحبه وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه ومدخلوه قبره ومخلوه وعمله فيما بينه وبين ربه، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه[2]. وصلى عليه الضحاك.

    نسبه وشرف مكانته

    الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب الفهري. قال الطبري: مات النبي وهو غلام يافع، واستبعد بعضهم أن يكون سمع من النبي ولا بعد فيه فإن أقل ما قيل في سنِّه عند موت النبي أنه كان ابن ثماني سنين.

    من مواقفه مع النبي في حياته

    عن جرير بن حازم قال: جلس إلينا شيخ في دكان أيوب فسمع القوم يتحدثون، فقال: حدثني مولاي عن رسول الله . فقلت له: ما اسمه؟ قال: قرة بن دعموص النميري. قال: قدمت المدينة فأتيت النبي وحوله الناس، فجعلت أريد أن أدنو منه فلم أستطع فناديته: يا رسول الله، استغفر للغلام النميري. قال: "غفر الله لك". قال: وبعث رسول الله الضحاك بن قيس ساعيًا، فلما رجع رجع بإبل جلة، فقال رسول الله : "أتيت هلال بن عامر ونمير بن عامر وعامر ربيعة فأخذت حلة أموالهم؟" فقال: يا رسول الله، إني سمعتك تذكر الغزو، فأحببت أن أتيك بإبل جلة تركبها وتحمل عليها. فقال: "والله الذي تركت أحب إليَّ من الذي أخذت، ارددها وخذ من حواشي أموالهم وصدقاتهم". قال: فسمعت المسلمين يسمون تلك الإبل المسان المجاهدات[1].

    من مواقفه مع الصحابةمع معاوية

    عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال على المنبر: حدثني الضحاك بن قيس -وهو عدل- أن رسول الله قال: "لا يزال والٍ من قريش". قال الزبير: كان الضحاك بن قيس مع معاوية بدمشق، وكان ولاه الكوفة ثم عزله، ثم ولاه دمشق، وحضر موت معاوية.

    ولما مات أخذ الضحاك بن قيس أكفانه وصعد المنبر، وخطب الناس وقال: إن أمير المؤمنين معاوية كان حد العرب وعود العرب، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وسير جنوده في البر والبحر، وكان عبدًا من عبيد الله، دعاه فأجابه، وقد قضى نحبه وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه ومدخلوه قبره ومخلوه وعمله فيما بينه وبين ربه، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه[2]. وصلى عليه الضحاك.

    مع مروان بن الحكم وابن الزبير

    لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان اختلف الناس بالشام. فكان أول من خالف من أمراء الأجناد النعمان بن بشير بحمص. دعا إلى عبد الله بن الزبير، ودعا زفر بن الحارث بقنسرين لابن الزبير، ودعا الضحاك بن قيس الفهري بدمشق إلى ابن الزبير سرًّا لمكان من بها من بني أمية وكلب. وبلغ حسان بن مالك بن بحدل ذلك وهو بفلسطين. وكان هواه في خالد بن يزيد فأمسك وكتب إلى الضحاك بن قيس كتابًا يعظم فيه حق بني أمية وبلاءهم عنده، ويذم ابن الزبير ويذكر خلافه ومفارقته الجماعة، ويدعو إلى أن يبايع إلى الرجل من بني حرب. وبعث بالكتاب إليه مع ناغضة بن كريب الطابخي، وأعطاه نسخة الكتاب وقال: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس، وإلا فاقرأه أنت. وكتب إلى بني أمية يعلمهم ما كتب به إلى الضحاك، وما أمر به ناغضة، ويأمرهم أن يحضروا ذلك.

    فلم يقرأ الضحاك كتاب حسان، فكان في ذلك اختلاف وكلام، فسكتهم خالد بن يزيد ونزل الضحاك فدخل الدار. فمكثوا أيامًا ثم خرج الضحاك ذات "يوم" فصلى بالناس صلاة الصبح، ثم ذكر يزيد بن معاوية فشتمه، فقام إليه رجل من كلب فضربه بعصا واقتتل الناس بالسيوف، ودخل الضحاك دار الإمارة فلم يخرج، وافترق الناس ثلاث فرق: فرقة زبيرية، وفرقة بحدلية -هواهم لبني حرب- والباقون لا يبالون لمن كان الأمر من بني أمية. وأرادوا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان على البيعة له. فأبى وهلك تلك الليالي.

    فأرسل الضحاك بن قيس إلى بني أمية، فأتاه مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فاعتذر إليهم، وذكر حسن بلائهم عنده، وأنه لم يرد شيئًا يكرهونه، وقال: اكتبوا إلى حسان بن مالك بن بحدل حتى ينزل الجابية، ثم نسير إليه فنستخلف رجلاً منكم. فكتبوا إلى حسان فنزل الجابية وخرج الضحاك بن قيس وبنو أمية يريدون الجابية. فلما استقلت الرايات موجهة، قال معن بن ثور السلمي ومن معه من قيس: دعوتنا إلى بيعة رجل أحزم الناس رأيًا وفضلاً وبأسًا، فلما أجبناك خرجت إلى هذا الأعرابي من كلب تبايع لابن أخته! قال: فتقولون ماذا؟ قالوا: نصرف الرايات وننزل، فنظهر البيعة لابن الزبير. ففعل، وبايعه الناس. وبلغ ابن الزبير فكتب إلى الضحاك بعهده على الشام، وأخرج من كان بمكة من بني أمية. وكتب إلى من بالمدينة بإخراج من بها من بني أمية إلى الشام، وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد ممن دعا إلى ابن الزبير.

    لما رأى ذلك مروان خرج يريد ابن الزبير ليبايع له، ويأخذ منه أمانًا لبني أمية وخرج معه عمرو بن سعيد فلقيهم عبيد الله بن زياد بأذرعات مقبلاً من العراق، فأخبروه بما أرادوا، فقال لمروان: سبحان الله! أرضيت لنفسك بهذا؟ تبايع لأبي خبيب وأنت سيد قريش وشيخ بني عبد مناف! والله لأنت أولى بها منه. فقال له مروان: فما الرأي؟ قال: الرأي أن ترجع وتدعو إلى نفسك وأنا أكفيك قريشًا ومواليها، فلا يخالفك منهم أحد. فرجع مروان وعمرو بن سعيد وقدم عبيد الله بن زياد دمشق فنزل بباب الفراديس، فكان يركب إلى الضحاك كل يوم فيسلم عليه، ثم يرجع إلى منزله. فعرض له يومًا في مسيره رجل فطعنه بحربة في ظهره وعليه الدرع فأثبت الحربة، فرجع عبيد الله إلى منزله. وأمام ولم يركب إلى الضحاك. فأتاه الضحاك إلى منزله فاعتذر إليه. وأتاه بالرجل الذي طعنه، فعفا عنه عبيد الله وقَبِل من الضحاك.

    وعاد عبيد الله يركب إلى الضحاك في كل يوم، فقال له يومًا: يا أبا أنيس، العجب لك -وأنت شيخ قريش- تدعو لابن الزبير وتدع نفسك، وأنت أرضى عند الناس منه؛ لأنك لم تزل متمسكًا بالطاعة والجماعة، وابن الزبير مشاق مفارق مخالف، فادع إلى نفسك. فدعا إلى نفسه ثلاثة أيام. فقالوا له: أخذت بيعتنا وعهودنا لرجل ثم دعوتنا إلى خلعه من غير حدث أحدثه والبيعة لك! وامتنعوا عليه. فلما رأى ذلك الضحاك عاد إلى الدعاء إلى ابن الزبير فأفسده ذلك عند الناس، وغيَّر قلوبهم عليه، فقال له عبيد الله بن زياد: من أراد ما تريد لم ينزل المدائن والحصون يتبرز ويجمع إليه الخيل، فاخرج عن دمشق واضمم إليك الأجناد. وكان ذلك من عبيد الله بن زياد مكيدة له، فخرج الضحاك فنزل المرج، وبقي عبيد الله بدمشق ومروان وبنو أمية بتدمر، وخالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية بالجابية عند حسان بن مالك بن بحدل.

    فكتب عبيد الله إلى مروان أن ادع الناس إلى بيعتك، ثم سر إلى الضحاك، فقد أصحر لك. فدعا مروان بني أمية فبايعوه، وتزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، واجتمع الناس على بيعة مروان فبايعوه. وخرج عبيد الله حتى نزل المرج وكتب إلى مروان، فأقبل في خمسة آلاف وأقبل عبيد الله بن زياد من حوارين في ألفين من مواليه وغيرهم من كلب، ويزيد بن أبي النمس بدمشق قد أخرج عامل الضحاك منها. وأمد مروان بسلاح ورجال. وكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد، فقدم عليه زفر بن الحارث الكلابي من قنسرين، وأمده النعمان بن بشير الأنصاري بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، فتوافوا عند الضحاك بالمرج.

    فكان الضحاك في ثلاثين ألفًا ومروان في ثلاثة عشر ألفًا، أكثرهم رجَّالة. ولم يكن في عسكر مروان غير ثمانين عتيقًا: أربعون منها لعباد بن زياد، وأربعون لسائر الناس. فأقاموا بالمرج عشرين يومًا يلتقون في كل يوم ويقتتلون. فقال عبيد الله بن زياد يومًا لمروان: إنك على حق وابن الزبير ومن دعا إليه على باطل، وهم أكثر منك عددًا وعدة، ومع الضحاك فرسان قيس، فأنت لا تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة فكدهم؛ فقد أحلَّ الله ذلك لأهل الحق، والحرب خدعة، فادعهم إلى الموادعة ووضع الحرب حتى تنظر، فإذا أمنوا وكفوا عن القتال، فكرَّ عليهم.

    فأرسل مروان إلى الضحاك يدعوه إلى الموادعة ووضع الحرب حتى ينظر، فأصبح الضحاك والقيسية فأمسكوا عن القتال وهم يطمعون أن مروان يبايع لابن الزبير، وقد أعد مروان أصحابه. فلم يشعر الضحاك وأصحابه إلا بالخيل قد شدت عليهم، ففزع الناس إلى راياتهم وقد غشوهم وهم على غير عدة، فنادى الناس: يا أبا أنيس، أعجزًا بعد كيس؟ فقال الضحاك: نعم، أنا أبو أنيس عجز لعمري بعد كيس. فاقتتلوا ولزم الناس راياتهم، وصبروا وصبر الضحاك، فترجل مروان وقال: قبح الله من يوليهم اليوم ظهره حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين، فقُتل الضحاك بن قيس -قتله رجل من كلب يقال له زحمة بن عبيد الله- وصبرت قيس عند راياتها يقاتلون عندها. فنظر رجل من بني عقيل إلى ما تلقى قيس عند راياتها من القتل، فقال: اللهم العنها من رايات. واعترضها بسفيه فجعل يقطعها، فإذا سقطت الراية تفرق أهلها. ثم انهزم الناس، فنادى منادي مروان: لا تتبعوا موليًا. فأمسك عنهم[3].

    من مواقفه مع التابعين

    عن عامر الشعبي قال: لما قاتل مروان الضحاك بن قيس، أرسل إلى أيمن بن خريم الأسدي فقال: إنا نحب أن تقاتل معنا. فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرًا فعهدا إليَّ أن لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله، فإن جئتني ببراءة من النار قاتلت معك. فقال: اذهب. ووقع فيه وسبه، فأنشأ أيمن يقول:

    ولست مقاتلاً رجلاً يصلـي *** على سلطان آخر من قريش

    له سلطـانـه وعليَّ إثمـي *** معـاذ الله من جهل وطيش

    أقاتل مسلمًا فـي غير شيء *** فليس بنافعي ما عشت عيشي[4]

    بعض الأحاديث التي نقلها عن النبي

    جاء في كنز العمال للمتقي الهندي عن الضحاك بن قيس قال: كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تخفض الجواري، فقال لها رسول الله : "يا أم عطية، إذا خفضت[5] فلا تنهكي، فإنه أحظى للزوج وأسرى للزوج".

    وأورد ابن كثير في البداية والنهاية "عن علي بن زيد، عن الحسن أن الضحاك بن قيس كتب إلى الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: السلام عليك، أما بعد فإني سمعت رسول الله يقول: (إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، فتنًا كقطع الدخان يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح الرجل مؤمنًا ويسمى كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام أخلاقهم ودينهم بعرضٍ من الدنيا قليل)".

    وعن الضحاك بن قيس الفهري، عن النبي قال: "إذا أتى الرجل القوم فقالوا: مرحبًا، فمرحبًا به يوم يلقى ربه. وإذا أتى الرجل القوم فقالوا: قحطًا، فقحطًا له يوم القيامة"[6].

    وجاء في كنز العمال "أخلصوا أعمالكم لله؛ فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له". وعن الضحاك بن قيس: "لا يزال على الناس والٍ من قريش"[7].

    الوفاة

    خدعه عبيد الله بن زياد، فقال: أنت شيخ قريش وتبايع لغيرك. فدعا إلى نفسه فقاتله مروان، ثم دعا إلى ابن الزبير فقاتله مروان، فقُتل الضحاك بمرج راهط سنة أربع وستين. وقال الطبري: كانت الوقعة في نصف ذي الحجة سنة أربع، وبه جزم ابن منده، وذكر ابن زيد في وفياته من طريق يحيى بن بكير عن الليث أن وقعة مرج راهط كانت بعد عيد الأضحى بليلتين[8].


    [1] الهيثمي: مجمع الزوائد، باب التعدي في الصدقة رقم (4444)، 3/233. وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
    [2]
    ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 3/479.
    [3]
    ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق 1/1523.
    [4]
    الهيثمي: مجمع الزوائد 7/579.
    [5]
    خفضت: الخفض للنساء كالختان للرجال.
    [6]
    المتقي الهندي: كنز العمال، 12/55.
    [7]
    المتقي الهندي: كنز العمال (33847) 12/32، الطبراني في الكبير (8314)، 8/298، الهيثمي في مجمع الزوائد رقم (8992)، 5/353، وقال: رواه الطبراني وفيه سنيد وهو ثقة، وقد تكلم في روايته عن الحجاج بن سليمان وهذا منها، والله أعلم.
    [8]
    ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 3/479.

    « أبو بكرة الثقفي ..طليق الله وطليق رسولهأيام الجوع ..اليرموك »

    Tags وسوم : , , , ,
  • تعليقات

    لا يوجد تعليقات

    Suivre le flux RSS des commentaires


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق